فخر الدين الرازي
113
المطالب العالية من العلم الإلهي
فالمؤثر في التسخين ، يبقى موصوفا أبدا ، بالوجه الذي لأجله كان موجبا للتسخين ، ولا يتغير عنه ، وكذلك القول فيما يؤثر في التبريد ، بخلاف الأحوال الاختيارية ، فإن الموجب للحركة يمنة ، هو مجموع القدرة مع الداعي إلى تلك الحركة المخصوصة والموجب للحركة يسرة ، هو مجموع القدرة مع حصول الداعي إلى الحركة يسرة ، وهذه الدواعي سريعة التبدل والتغير ، فالقادر إذا حصل في قلبه داعية الحركة يمنة ، صارت القدرة مع تلك الداعية ، موجبا للحركة يمنة . ثم إن تلك الداعية تتغير « 1 » سريعا ، وتحصل الداعية إلى الحركة يسرة . فيصير الآن هذا المجموع موجبا للحركة يسرة . فالحاصل : أن في الأمور الطبيعية ، ما لأجله صار موجبا للتسخين ، يبقى ولا يتغير . وأما في الأمور الاختيارية ، فتلك الاختيارات سريعة التبدل والتغير . فهذا هو أحد الفرقين بين المؤثر المختار ، وبين المؤثر الموجب ، في الشاهد . وأما الفرق الثاني فهو أن المؤثرات الطبيعية ، لا شعور لها بما يصدر عنها ، وأما المؤثرات التي تؤثر بالاختيار ، فهي إنما تؤثر بواسطة العلم والشعور ، فإنه ما لم يحصل تصور أن ذلك الفعل يفيد نفعا وخيرا ، لم يحصل الرغبة فيه . ولهذا السبب ، سمي هذا الفعل فعلا اختياريا ، وسمي هذا الفاعل فاعلا مختارا . فهذان الوجهان يوجبان الفرق بين الموجب بالذات وبين الفاعل المختار . وأما في حق اللّه تعالى ، فالتغير [ عليه ] « 2 » في ذاته وفي صفاته : محال . فلم يبق الفرق المعتبر ، إلا الوجه الأخير [ واللّه أعلم ] « 3 » الحجة الرابعة : في بيان [ أن ] « 4 » القدرة . بمعنى حصول المكنة من الفعل والترك بالسوية : محال .
--> ( 1 ) تزول ( ت ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ط ، س )